الغزالي

75

الأربعين في اصول الدين

إحداهما : كسره بالرياضة ؛ ولست أعني بكسره إماطته « 1 » ، فإنه لا يزول أصله ولا ينبغي أن يزول ، بل إن زال وجب تحصيله ، لأنه آلة القتال مع الكفار ، والمنع من المنكرات وكثير من الخيرات « 2 » . وهو ككلب الصائد ، إنما رياضته في تأديبه حتى ينقاد للعقل والشرع فيهيج بإشارة العقل والشرع ، ويسكن بإشارتهما ولا يخالفهما ، كما ينقاد الكلب للصياد . وهذا ممكن بالمجاهدة ، وهو اعتياد الحلم والاحتمال مع التعرض للمغضبات . الثانية : ضبط الغضب عند الهيجان بالكظم . ويعين عليه علم وعمل ؛ أما العلم ، فهو أن يعلم أنه لا سبب لغضبه إلا أنه أنكر أن يجري الشيء على مراد اللّه لا على مراده ، وهذا غاية الجهل . والآخر أن يعلم أن غضب اللّه عليه أعظم من غضبه عليه ، وأن فضل اللّه أكبر . وكم عصاه وخالف أمره ! فلم يغضب عليه إن خالفه غيره ؟ فليس أمره عليه ألزم على عبده وأهله ورفقته من أمر اللّه عليه . وأما العمل ، فهو أن يقول : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » ، إذ يعلم أن ذلك من الشيطان ؛ فإن لم يسكن ، جلس إن كان قائما ، ويضطجع إن كان قاعدا ، وكذلك ورد الخبر باختلاف الحال أنه يؤثر في التسكين ، وإن لم يسكن فيتوضأ ؛ قال عليه الصلاة والسلام : « إن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ » ، وقال عليه السلام : « ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، ألا ترون إلى حمرة عينيه ، وانتفاخ أوداجه ؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليضرب خدّه بالأرض » . وهذه إشارة إلى تمكين أعز الأعضاء من أذلّ المواضع ، لينكسر الكبر ، فإنه السبب الأعظم في الغضب ، ليعلم أنه عبد ذليل فلا يليق به الكبر . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الرجل ليدرك بالحلم درجة القائم والصائم ، وإنه ليكتب جبارا وما يملك إلا أهل بيته » وقال صلى اللّه عليه وسلم : من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ اللّه تعالى قلبه يوم القيامة أمنا وإيمانا » ، وقال عليه السلام : « ما من جرعة أحب إلى اللّه تعالى من جرعة غيظ يكظمها عبد ، وما كظمها عبد إلا ملأ اللّه جوفه إيمانا » .

--> ( 1 ) إماطته : كشفه . ( 2 ) أي أن الغضب كما هو آلة لمنع كثير من المنكرات ، فهو أيضا آلة لتحصيل كثير من الخيرات .